
زمزم السيد كاتبة مصرية
يشهد العالم اليوم تحوّلات جذرية بفضل الذكاء الاصطناعي، تلك التقنية التي لم تعد مقتصرة على المجالات العلمية والصناعية، بل امتدت لتلامس جوهر الإبداع الإنساني، وفي مقدّمته الأدب. ومع أن الأدب ظل لقرون طويلة نتاجاً خالصاً للخيال البشري، إلا أنّ دخول الذكاء الاصطناعي على هذا الميدان أثار أسئلة عميقة: هل يمكن للآلة أن تُبدع نصّاً أدبياً يمسّ وجدان الإنسان؟ وهل المستقبل الأدبي سيكون شراكة بين الكاتب والآلة، أم منافسة حادّة بينهما؟
إن الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للأدباء في صورته الأولى، يُمكن النظر إليه بوصفه أداة داعمة للكاتب، تماماً كما كانت الطباعة أداة دعمت انتشار الأدب في الماضي. اليوم يستطيع الأديب أن يستعين بتقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة الأفكار، إعادة الهيكلة، اقتراح العناوين، أو حتى محاكاة أساليب كتاب عالميين. هذه الأدوات توفر وقتاً وجهداً، وتتيح للكاتب التفرغ لمستويات أعمق من الإبداع والتأمل.
لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بمساعدة الكاتب، بل صار قادراً على إنتاج النصوص كما هو الحال في روايات قصيرة، قصائد شعرية، وحتى نصوص مسرحية. صحيح أن هذه النصوص قد تفتقد في بعض الأحيان حرارة التجربة الإنسانية أو “روح المعاناة” التي تميز الأدب البشري، إلا أنّها تكشف عن قدرة مذهلة على المحاكاة والابتكار في البناء اللغوي. ومع تطور النماذج، قد نصل إلى لحظة يصعب فيها التمييز بين نص كتبه إنسان وآخر صاغته آلة.
ولكن الملفت الذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى مواجهة سؤال فلسفي وأخلاقي: لمن تُنسب ملكية العمل الأدبي؟ للكاتب الذي استخدم التقنية؟ أم للمطوّر الذي أنشأ الخوارزمية؟ أم للآلة نفسها بوصفها مؤلفة؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية فحسب، بل باتت تشغل النقاشات في المؤسسات الأدبية والقانونية حول العالم. قد يبدو الذكاء الاصطناعي تهديداً، لكنه في الوقت نفسه يفتح آفاقاً واسعة، كتجديد أشكال الكتابة مثل الأدب التفاعلي الذي يشارك فيه القارئ بتوجيه مسار الأحداث عبر الخوارزميات. وترجمة فورية متقنة تتيح للنصوص عبور الحدود والوصول إلى قراء جدد. وإحياء التراث الأدبي عبر تحليل النصوص القديمة وإعادة تقديمها بأسلوب حديث.
والسؤال الملح في الآونة الأخيرة جول مستقبل الأدب بين الإنسان والآلة من المرجّح ألا يُقصي الذكاء الاصطناعي الأديب البشري، بل سيعيد تعريف دوره. فالأدب ليس مجرد تركيب كلمات، بل هو تجربة إنسانية مشبعة بالعاطفة، والذاكرة، والخيال. الآلة قد تُبدع نصوصاً، لكنها تفتقد ما يسميه البعض “بصمة الروح”. لذلك سيظل الأدب البشري قائداً، فيما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً ووسيطاً يعيد تشكيل العلاقة بين الكاتب والقارئ.
إن مستقبل الأدب والذكاء الاصطناعي ليس صراعاً صفرياً، بل هو حوار مفتوح. قد نرى كتّاباً يندمجون مع تقنيات الذكاء الاصطناعي ليبتكروا أنماطاً جديدة من الأدب لم نعرفها من قبل. وربما يولد عصر أدبي جديد يُعيد صياغة الحدود بين ما هو إنساني وما هو اصطناعي. وفي النهاية، يبقى الأدب ابناً للإنسان، مهما حاولت الآلة أن تحاكيه.










