منصات اجتماعية أم نخاسة رقمية؟
بقلم / عبدالعليم حريص
منذ أن عرف الإنسان النار، عرف أيضًا كيف يوظف جسد المرأة؛ تارة كرمز مقدس، وتارة كطُعم دنيويّ، على جدران المعابد، وفي حكايات الأساطير، حيث كان الجسد الأنثوي يُرصَّع بالألوان والذهب، لا فقط لتمجيد الجمال، بل لإخضاعه لمنظومة سلطة ترى فيه أداة لإلهاء الجماهير أو إثبات الهيبة.
فمنذ أن خطَّ الإنسان أول سطر في سجل الحضارة، ظل جسد المرأة موضع جدل وإغراء، قوة وجمال، وفي الوقت نفسه أداة للتملك والسيطرة. في الأساطير القديمة، كانت المرأة رمز الخصوبة ومانحة الحياة، لكنها أيضًا كانت تُستغل في الحروب والدين والسياسة كرمز يُستدعى لتبرير النفوذ غالباً.
ففي مصر القديمة، حُفرت على جدران المعابد صور الملكات والكاهنات بأجساد متناسقة وأناقة مدروسة، ليس فقط تكريمًا لأنوثتهن، بل كوسيلة لإلهام الولاء والإعجاب. وفي روما واليونان، صارت المسارح والتماثيل تعرض الجسد الأنثوي في صور مثالية، تخفي وراء الفن أهدافًا سياسية وتجارية. ومع العصور الوسطى، استُخدم جسد المرأة في تجارة الجواري، وتحوّل الجمال إلى سلعة تُباع وتُشترى باسم الدين أو العرف، أو حتى كلاهما.

الاستغلال لم يعد مفروضًا بل أصبح طواعية..!
أما في عصور الحروب، كان جسد المرأة جائزة تُمنح للمنتصر أو ورقة ضغط في المفاوضات. في الأسواق المظلمة، تحوّل إلى سلعة قابلة للتسعير. في عصر النهضة، حملت اللوحات الزيتية نفس الرسالة القديمة ولكن بإطار فني فاخر، بينما استبدلت السينما الحديثة القماش والفرشاة بعدسات الكاميرا. الرسالة واحدة: الجسد واجهة للعرض، مهما تغيّرت المنصة.
اليوم، ومع صعود «تيك توك»، لم نغادر المشهد القديم، بل دخلنا نسخته المسرّعة. هنا، الخوارزميات تلعب دور التاجر، والجمهور هو السوق، والمشاهدات هي العملة. المرأة التي تظهر بجسدها على هذه المنصة ليست دائمًا ضحية بالمعنى التقليدي، لكنها في كثير من الأحيان أسيرة معايير رقمية تقيس قيمتها بعدد القلوب الحمراء والزيارات.
الاختلاف الجوهري أن الاستغلال لم يعد مفروضًا من سلطة واحدة، بل بات جماعيًا… ملايين العيون تراقب، مليارات النقرات تُحدد مَن يصعد ومَن يختفي. وهنا تكمن القسوة: الاستعباد طوعي، لكنه لا يقلّ فتكًا..!
إن دخولنا الحتمي في العصر الرقمي، وأخص هنا «تيك توك» إنما أحدث مسرحاً مهيئاً لهذا الامتداد التاريخي. المنصة التي وُلدت للترفيه السريع، تحولت إلى ساحة يختلط فيها الإبداع بالاستغلال. جسد المرأة يُعرض في مقاطع قصيرة، ليس دائمًا من أجل الفن أو التعبير، بل أحيانًا كوسيلة لجذب المشاهدات وزيادة المتابعين، في اقتصاد الانتباه الذي يساوي فيه الإعجاب” مالًا وشهرة.
هل قيمة المرأة تكمن في جسدها قبل عقلها؟
المفارقة المؤسفة أن كثيرًا من هذا الاستغلال صار يتم بإرادة صاحباته، ولكن تحت ضغط ثقافة عالمية تُقنع المرأة أن قيمتها تكمن في جسدها قبل عقلها.
تيك توك لم يبتكر الظاهرة، بل ورثها من آلاف السنين من التاريخ البشري، وأضاف إليها سرعة الانتشار، وفتات العوائد المالية التي تدفع كثيرات للمشاركة في هذه الحلقة المفرغة.
إن استغلال جسد المرأة ليس مجرد قضية أخلاقية أو نسوية، بل هو مرآة تكشف عن شكل السلطة عبر العصور.. من سلطة الكهنة والملوك، إلى سلطة الخوارزميات والشاشات.

هل المرأة مالكة لجسدها، أم مجرد مملوكة له في أعين الآخرين؟
فمنذ فجر التاريخ، كان الجسد الأنثوي محورًا للصراع بين الحرية والسيطرة. وبين المعابد القديمة وشاشات الهواتف، وأكاد أجزم أنه ما لم يُعاد تعريف قيمة المرأة بعيدًا عن الجسد، سيظل التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأنماط مختلفة ومختلقة أكثر رواجاً وجذباً للانتباه، وما حدث مؤخراً من القبض على الكثيرات من صانعات المحتوى على منصة “تيك توك”، يوكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التشوية المتعمد لقيمة الجسد الأنثوي هو التجارة الرابحة لمن يصنعون المجد على أجساد النساء.
ولكن سيبقى السؤال.. هل المرأة مالكة لجسدها، أم مجرد مملوكة له في أعين الآخرين؟ الجواب… ما زال عالقًا في يد من يكتب التاريخ، أو من يبرمج الخوارزميات..!








