زمزم السيد – كاتبة مصرية
لطالما كان حلم العودة للبدايات أمراً مشوقاً في الحضارة الإنسانية واستكشاف كيف بدأ الخلق وكيف تطور إلى ما وصلنا إليه الآن، وهذا ما تناولته بشيري في روايتها، واضعة لفتات ذكية لهذه المعضلة من خلال الرواية حيث حمل البطل اسم (آدم) ولما وصلته جثة لشابة في كيس بلاستيكي ومعها دليل الاستخدام ظل البطل حائراً ولكنه في الوقت نفسه لم يكن قادراً على التخلص منها، لذلك قرر أن يختار لها أسماً ليخفف من حدة استخدام لفظة (جثة) ففكر في عدة أسماء عربية (ليلى – سلمى – أو حتى مريم) ولكنه لم يقتنع بهذه الأسماء وقرر أن يسميها (حواء) أم البشرية طالما اسمه آدم وقد استسلم لقدره بأن يعيش برفقتها إلى ما يشاء الله.
عنوان الرواية يقدم الكثير من محتواها (هدية آدم) الصادرة حديثاً عن دار صفصافة للنشر، جاءت الرواية في 204 صفحة من القطع المتوسط، منتضمنة 5 أبواب لشاب يعيش في مدينة تطل على ميناء في الضفة الجنوبية من البحر المتوسط، فقد والدته التي كانت تمثل له كل ما يمكنه أن يربطه بهذه الحياة فصار انعزالياً، منغلقاً على نفسه إلا من السيدة أم فاطمة صديقة والدته لتي ظلت تنعني به بعد رحيل أمه، حصل على شهادة عليا في الكيمياء، ولطالما حلم بأن بفك حجر الفلاسفة الأسطوري، لحيول التراب إلى ذهب، ويحقق الخلود.
وقد عرّف آدم نفسه للقارئ بقوله في بداية الرواية: لا أحد يعرفني كما يجب، أنا رجل وحيد وبسيط ولست كما أبدو للجميع، لا أملك شيئاً من زينة الدنيا لا مال ولا بنون ثروتي الوحيدة هي أحلامي المستحيلة، ورغبتي الشديدة في أن أنجو من هذه الحياة.
وكون آدم شخص انعزالي بعد وفاة والدته، كانت له هواية مرافقة الكلاب، فهو يجيد التعامل مع هذه الكائنات الوفية عن كثير من البشر، يتنزه بصحبتهم يومياً، حتى التقى ب(هند) تلك الفتاة التي ترى بأذنيها أو بقلبها كونها كفيفة، ومنذ أن التقيا تعلق آدم بها حتى أدمن اللقاء معها، وكثيراً ما تعرفت هند على العالم من حولها بعيون آدم، فهند بالنسبة للبطل على أرض الواقع المعنى الحقيقي للطهر والنقاء الذي نفتقده كثيراً في عالمنا الجديد. فالرواية تسرد الكثير من الصراعات النفسية الباحثة عن الكمال، كما تميل للجانب الفلسفي العميق في حوارات أبطالها، وهذه حنكة المؤلفة في دقة الوصف سواء المكاني أو الزماني للأحداث أو الشخصيات.
كما ناقشت الساردة معضلات الدلالات لغوية باقتدار داخل النص السردي، وبرغم براعتها اللغوية في الاستشهادات الأدبية والفلسفية التي زينت فصول روايتها الخمس، إلا أن الرقيب الذاتي كان حاضراً في الرواية، سواء من خلال البطل أو النص أو حتى من خلال الساردة نفسها، وقد تعاملت معه بشيري بمنتهى الحيادي، بل أحياناً جعلت منه نداً وتعاملت معه بمنتهى الندية، وطوعتها لها، دون أن تتجاوز حدود المؤلوف في عالمنا العربي، الذي يعتربره بوصلة تحريك الأشياء أو الحكم عليها مسبقاً، من خلال قناعات شخصية أو عرفية.
ونقول الكاتبة في إحدى تصريحاتها الصحفية: محاولة أن أتجاوز ذلك الرقيب المخيّف الذي يقبع بمكر في زوايا اللاوعي ،والذي قد يظهر فجأة في أي سطر من نصوصي. وهي تعتبر الرواية مشروع ذهني وحرفي ومعرفي طويل يتطلب الكثير من الحفر في المعنى وفي الهندسة اللغوية، تعلمك كيف تبني الجملة بقوة وحرفية. فالكتابة هي مشروع حقيقي وأبديّ في الحياة، بل تحوّل إلى هاجس، تعدّى الواقع بقليل، وقفز بفعل المثابرة والإصرار إلى عالم متخيّل، عالم أنتج بفعل الرفض الصريح للواقع الحقيقي الذي نعيشه في أغلب الأحيان على مضض، وأيضا بفعل التمرّد على تفاصيل الحياة المادية بمختلف مراحلها ومفاهيمها، وبشتى عقدها التي تدفع بنا للمواجهات ذات الأثمان الباهظة، مواجهات غالبا ما تكون “دونكيشوتية”، قد تكلف الواحد منّا حياةً كاملة”.

وتتطرق الرواية إلى الاغتراب الذي جسد من خلال شخصية إلياس صديق آدم الذي نزع إلى الضفة الثانية من المتوسط،، وأيضاً صديقه الرومي. أما (حواء) تلك الجثة التي تضع البطل في متاهات من البحث والمواقف الغريبة، قبل أن تكتشف وجودها السيدة أم فاطمة في المنزل، وتلاحظ الشبه الغريب بينها وبين آدم، ولكن مع تصاعد الأحدث نتكشف في النهاية بأنها أخته الكبرى (تاتيانا)، والتي استعادت وعيها وعادت للحياة مرة أخرى، والتي لم يكن آدم يعرف عنها شيئاً حتى وجدها عنه في البيت.
وآمال بشيري كاتبه وروائية جزائرية، تكتب الشعر بالفرنسية، والرواية باللغة العربية، صدر لها ثلاث دواوين شعرية وست روايات، وترجمت روايتها (آخر الكلام) للإسبانية و(خفافيش بيكاسو) للإنجليزية.








