من المقاولات إلى صناعة القيمة… كيف تُبنى الشركات بعقلية مؤسسية؟
حاوره: هاني محمد علي:
في بيئة أعمال تتسم بالتقلب السريع، وتزايد المنافسة، لم يعد النجاح مرهونًا بطول البقاء في السوق بقدر ما أصبح مرتبطًا بعمق الرؤية، والقدرة على قراءة التحولات، وتحويل التحديات إلى فرص نمو. من هذا المنطلق، تبرز تجربة محمد الخضيري مشهدي كنموذج لرجل أعمال ينتمي إلى جيل جديد، دخل عالم الأعمال مبكرًا، لا بعقلية المغامرة قصيرة الأجل، بل بمنهج استثماري طويل النفس، قائم على البناء المؤسسي وصناعة القيمة.
تجربة تمتد بين مصر والإمارات، وتتقاطع فيها قطاعات المقاولات، والتطوير العقاري، والتجارة العامة، وسلاسل الإمداد، بما يعكس انتقالًا واعيًا من منطق التنفيذ إلى منطق التطوير، ومن إدارة المشروع إلى إدارة المنظومة الاقتصادية المحيطة به. في هذا الحوار، لا نبحث عن قصة نجاح تقليدية، بل نحاول تفكيك تجربة تفكير: كيف تُقرأ الأسواق؟ كيف تُدار المخاطر؟ وكيف يُعاد تعريف دور المقاول في الاقتصاد الحديث؟

سؤال افتتاحي: حدّثنا عن مجموعة شركاتك وأعمالك بشكل عام
نعمل اليوم من خلال مجموعة متكاملة من الشركات، لكل منها دور واضح ضمن منظومة واحدة. في دولة الإمارات، لدينا مجموعة المستثمر للمقاولات والإنشاءات والتطوير العقاري، وهي الذراع التنفيذي والتطويري لمشروعاتنا، حيث نركز على تنفيذ مشروعات تتسم بالكفاءة الهندسية والانضباط الزمني.
إلى جانب ذلك، نمتلك شركة زاك للتجارة العامة، والتي تعمل في مجالات الاستيراد والتصدير، خاصة المنتجات الزراعية من فواكه وخضروات للأسواق العالمية. هذا النشاط لم يكن مجرد تنويع تجاري، بل جزء من رؤية أوسع تهدف إلى ربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة العالمية، وإثبات أن المنتج المصري قادر على المنافسة من حيث الجودة والمعايير والقدرة اللوجستية.
كيف وصل بك المطاف إلى شركة أوتوبيلد؟ وما الفجوة التي أردتم سدّها في سوق المقاولات الإماراتي؟
تأسيس أوتوبيلد جاء نتيجة احتكاك مباشر بالسوق الإماراتي، وملاحظة فجوة حقيقية في نموذج العمل السائد. هناك شركات تعتمد على السرعة المفرطة على حساب الجودة، وأخرى تلتزم بالجودة لكن على حساب الزمن والتكلفة. ما أردناه هو تقديم نموذج ثالث، يوازن بين العناصر الثلاثة: الوقت، الجودة، والتكلفة، دون التضحية بأي منها بشكل جذري.
ما أصعب قرار اتخذتموه في البدايات، وكيف غيّر مسار الشركة؟
أصعب قرار كان تحمّل كلفة الالتزام بالمعايير العالية في مرحلة التأسيس، حيث تكون الموارد محدودة وضغوط المنافسة مرتفعة. كان من الممكن تحقيق أرباح أسرع عبر خفض الجودة أو الدخول في منافسة سعرية حادة، لكننا آثرنا بناء سمعة مؤسسية. هذا القرار ربما أخّر بعض المكاسب قصيرة الأجل، لكنه أسّس لاستقرار طويل المدى.
هل كانت رؤيتكم منذ البداية محلية أم دولية؟
الرؤية لم تكن محلية بالمعنى التقليدي. السوق الإماراتي نفسه سوق عالمي، يفرض على أي شركة تعمل فيه الالتزام بمعايير دولية في الإدارة والتنفيذ والحوكمة. لذلك، كان التفكير منذ البداية قائمًا على التوسع وربط الأسواق، لا الاكتفاء بإطار جغرافي ضيق.
في سوق تنافسي مثل الإمارات، ما الذي يميّز أوتوبيلد؟
التميّز لا يأتي من عنصر واحد، بل من منظومة متكاملة: سرعة الأداء، جودة التنفيذ، الالتزام بالمواعيد، والأهم بناء علاقة ثقة مع العميل. نحن لا نرى المشروع كعقد فقط، بل كمسؤولية متبادلة وسمعة طويلة الأمد.
كيف توازن الشركة بين سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ؟
السرعة لا تعني الضغط العشوائي، بل تعني التخطيط الذكي. نبدأ بإدارة دقيقة للمخاطر، وجدولة واضحة، وتوزيع أدوار مدروس، مع متابعة يومية. عندما يكون النظام واضحا، تصبح السرعة نتيجة طبيعية لا عبئا.
ما المعايير التي لا تقبل التنازل عنها مهما كانت ضغوط السوق؟
السلامة المهنية، الالتزام بالمواصفات الهندسية، جودة المواد، والشفافية في التعامل. هذه ليست شعارات، بل عناصر تمثل رأس المال الحقيقي للشركة.

كيف تضمن أوتوبيلد الالتزام بالمعايير الهندسية العالمية؟
من خلال كوادر هندسية مؤهلة، والالتزام بالكودات المعتمدة محليًا ودوليًا، إضافة إلى أنظمة رقابة داخلية ومراجعات فنية مستمرة في كل مرحلة من مراحل التنفيذ.
ما دور الإشراف والمتابعة اليومية في تقليل الأخطاء؟
الإشراف اليومي يمنع تراكم الأخطاء، ويعالج المشكلات في بدايتها. هذا يقلل التكاليف غير المتوقعة، ويحافظ على جودة المشروع عند التسليم النهائي.
كيف تتعامل مع تقلبات الأسعار وسلاسل التوريد؟
نتعامل بمرونة استراتيجية. في بعض الأحيان نتحمل جزءًا من انخفاض الهوامش الربحية للحفاظ على استمرارية المشروع وبناء ثقة السوق. الاستدامة أهم من الربح اللحظي.
إلى أي مدى تؤمن بأن العامل البشري هو رأس المال الحقيقي؟
العنصر البشري هو الأساس. حسن الاختيار، والتقدير، والالتزام بالحقوق، ينعكس مباشرة على جودة العمل. نحن نؤمن بثقافة عمل عادلة ومستقرة، انطلاقًا من المبدأ: أعطِ الأجير حقه قبل أن يجف عرقه.
كيف تختار فرق التنفيذ؟
نركز على الكفاءة والانضباط وأخلاقيات العمل، إضافة إلى القدرة على العمل ضمن فريق وتحمل ضغط المواقع.
ما فلسفتك في بناء ثقافة عمل تشبه “خلية النحل”؟
وضوح الدور، تكامل الجهود، والشعور بأن كل فرد جزء من نجاح جماعي، لا مجرد منفذ لمهمة.
كيف توظف التكنولوجيا الحديثة في إدارة المشروعات؟
نستخدم أنظمة رقمية في التخطيط والمتابعة وإدارة الموارد، ما يرفع كفاءة اتخاذ القرار ويقلل الهدر التشغيلي.
هل تعتمد حلول البناء الذكي أو المستدام؟
نعم، ونعمل على دمجها تدريجيًا، خاصة في مجالات ترشيد الطاقة، والاستدامة، وإطالة العمر الافتراضي للمشروعات.
ما رؤيتك لمستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاع المقاولات؟
بدأنا فعليًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المتابعة والتحكم عن بُعد، وأرى أنه سيغير جذريًا طريقة إدارة المشروعات وتحليل المخاطر.

ما الذي يجعل بيئة الاستثمار في الإمارات مختلفة؟
غياب البيروقراطية، سرعة الإجراءات، ودعم الدولة للمستثمرين، إلى جانب بنية تحتية متقدمة تمنح ثقة عالية لرأس المال.
ما نوع المشاريع التي تفضل العمل عليها؟
أفضل المشاريع البنيوية العملاقة، لأنها تتماشى مع الرؤى الاستراتيجية للدول، وتخلق أثرًا اقتصاديًا طويل المدى.
ما أهم درس تعلمته من إخفاق سابق؟
أن الإخفاق ليس نهاية، بل محطة لإعادة التقييم وتصحيح المسار.
كيف تحوّل الأزمات إلى فرص؟
بالمثابرة، والمرونة، وإعادة قراءة الواقع دون إنكار أو استسلام.
أين ترى شركاتك بعد خمس سنوات؟
أراها أكثر حضورا وتأثيرا في السوقين المصري والإماراتي، مع توسع مدروس في قطاعات مكملة.
سؤال ختامي: ما رسالتك للشباب؟
أنصح الشباب بالمثابرة، وحب ما يعملون، وعدم استعجال النتائج. النجاح الحقيقي مسار طويل، لا قفزة واحدة.








