هناء حافظ
خلف الأبواب الموصدة، هناك صرخة مكتومة لا يسمعها أحد… ليست صرخة طفل جائع، بل صرخة أم أرهقها السباق. هل سألت نفسك يوما لماذا تشعرين بهذا الثقل؟ الإجابة ليست في ضعف صبرك، بل في رقم صادم: 66% من الأمهات يعانين أعراض الاحتراق النفسي (Parental Burnout)، وفق دراسة حديثة. هذه النسبة تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة بسبب ضغوط السوشيال ميديا، لترسم واقعا مؤلما للأمومة في عصر التريندات وجروبات الماميز.
الأمومة الزجاجية.. الفطرة التي تحولت إلى سباق مرهق
كانت الأمومة في السابق فطرة ممتعة، لكنها اليوم تحولت إلى ما يمكن تسميته الأمومة الزجاجية صورة مثالية لامعة، لكنها قابلة للكسر تحت أي ضغط. جامعة لوفان وجدت أن الأمهات العربيات، والمصريات تحديدا، هن الأكثر عرضة للاحتراق النفسي بسبب ثقافة الكمالية: أن تكوني أم خارقة في كل شيء – الطبخ، التدريس، والعمل – بدون أن يظهر أي تعب.
فخ السوشيال ميديا
الضغط لا يأتي فقط من الواقع، بل من الشاشة الصغيرة في يدكِ. استطلاعات أظهرت أن 80% من الأمهات يشعرن بالذنب وتقصير الذات بعد تصفح إنستغرام، نتيجة المقارنة مع صور الأمهات المثاليات التي غالبا ما تكون مزيفة. كل صورة مثالية تسرق جزءا من مخزونك النفسي، لتدخل في ما يمكن تسميته اقتصاد العاطفة، حيث يستنزف مخزون الأم النفسي دون تعويض.
العبء المزدوج
ليست الأمومة مهمة بسيطة، بل عبء مزدوج. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن العمل غير المأجور للأم داخل المنزل يعادل 13 ساعة عمل يوميا، ما يفوق طاقة التحمل البشرية بدون دعم نفسي. وبهذا، يصبح التعب النفسي ليس تقصيرا، بل ظاهرة عالمية موثقة تستحق الاعتراف والدعم.
المسؤولية الجماعية.. الاحتراق ليس أمرا فرديا
الاحتراق النفسي للأم لا يحدث في فراغ. غياب الشريك، ضغط الأهل، وعدم وجود نظام دعم فعال يجعل الأم تتحمل وحدها فاتورة ضخمة. الاحتراق ليس مسؤولية الأم وحدها، بل هو نتيجة غياب “نظام الدعم”؛ فالأب ليس مساعداً فقط، بل شريكا أصيلا في دفع هذه الفاتورة.
الواقع المصري.. ضغوط إضافية
في بيوتنا المصرية، تزداد الضغوط في موسم الامتحانات أو تجهيزات العيد، حيث تتحول الأم إلى آلة تعمل 24 ساعة تحت ضغط المقارنات العائلية والاجتماعية. كل موسم يضيف طبقة جديدة على شعور الاحتراق النفسي، مما يجعل دعم الأسرة والمجتمع أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الحل العملي.. رفع شعار الحد الأدنى المقبول
بعد كل هذا، ماذا يمكنكِ فعله؟ نحتاج كأمهات أن نرفع شعار الحد الأدنى المقبول بدلا من الكمال المستحيل .نحتاج أن نستعيد شجاعة قول لا لطلبات المدارس المبالغ فيها، ولا لصور إنستغرام الزائفة. الاعتراف بالإرهاق، البحث عن الدعم النفسي، والمشاركة مع الشريك في مهام البيت والعمل، كلها خطوات صغيرة لكنها حاسمة لإنقاذ النفس قبل أن ينكسر الزجاج.
صرخة تسمعينها الآن
الأمومة اليوم ليست مجرد رعاية أطفال، بل صراع يومي للحفاظ على الذات وسط ضغوط المجتمع والشبكات الاجتماعية. شعورك بالإرهاق ليس ضعفا، بل انعكاس لحقيقة احتراق الأمهات ، وضرورة لإعادة النظر في الدعم النفسي والاجتماعي للأمهات.
وأنت عزيزتي الأم.. متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنك خارج السباق وبحاجة لراحة حقيقية دون شعور بالذنب؟







