يقدم رؤية لغوية ممنهجة..
زمزم السيد – كاتبة مصرية
تشكل اللغة العربية الوعاء الأمثل، الذي تنصهر فيه أغلب اللغات واللهجات القديمة، حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من لغتنا الأمّ هذا الكائن الحيوي، الذي ينمو يوماً بعد يوم، وفي بادرة جادة وهادفة، من الباحث والفلسطيني يوسف المحمود، قدم للمكتبة العربية كتاب المعجم الكنعاني.. ذلك المنجز الثري، الذي يقدّم الكتاب رؤية لغوية ممنهجة ومقاربة تاريخية مدهشة، حيث يكشف المؤلف بأسلوب موسوعي كيف أن اللغة الكنعانية، التي يُعتقد على نطاق واسع بأنها اندثرت، ولكنها لا تزال حاضرة بقوة في لغتنا العربية المعاصرة، سواء في الفصحى أو في اللهجات العامية.
والأمر الذي دعا الباحث إلى إنجاز هذا المعجم هو حبّه وتعلقه باللغة العربية إلى حد الوله – كما جاء في مفتتح الكتاب – أن الذي دفعه منـذ سنوات طويلة للبحث المستمر في كل ما يتصل باللغة العربية خصوصا اللهجة القديمة وتطورها وتاريخ الكلمات وجذورهـا وكـذلـك البحث والمقارنة بين الكلمات التي يتم استخدامها في اللهجة العربية القرشية العدنانية “الفصحى” مع الكلمات الدارجة واللهجات القديمة والموغلة في القدم والتي تحمل أسماء مثـل(الكنعانية الفينيقية) والآرامية القديمة ( الآرامية الكنعانية) والأكاديـة والأوغاريتيةوالنبطية وحتى المسند والشحرية والسبئية والجعزية وغيرها.
وقد قدم للكتاب المؤرخ وعالم اللغات القديمة البروفيسور محمد بهجت قبيسي، حيث أشار إلى أن الكتاب اعتمد في جمعه على مراجع لباحثين عرب، أخذوا في أكثر مما جاؤوا به على مستشرقين، مثمناً هذا المجهود وذلك المنجز الثري، المرفق بأمانة علمية كاملة.
ويعتمد الكاتب في عرضه على منهجية دقيقة؛ حيث يفصل في كل كلمة يتناولها من خلال إبراز شكلها الأصلي بالحروف الكنعانية القديمة، متبوعًا بطريقة نطقها عند الكنعانيين، ثم معناها بالعربية الفصحى. كما يورد مصدر الكلمة ويوثّقها من خلال ملاحظات تاريخية واجتماعية، ما يمنح القارئ خلفية شاملة عن أصل الكلمة وسياق استخدامها.
والمعجم الكنعاني، صادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، جاء الكتاب في 427 صفحة من القطع الكبير، ويعرض محتواه بأسلوب علمي ومنهجي، حيث يقدّم شرحًا مفصلًا لكل كلمة وردت فيه بدءًا من كتابتها بالحروف الكنعانية القديمة، مرورًا بطريقة نطقها عند الكنعانيين، ثم ترجمتها إلى العربية الفصحى. كما يوضح مصدر الكلمة، والمرجع الذي استند إليه المؤلف في إثباتها، بالإضافة إلى تقديم ملاحظات تاريخية واجتماعية موثقة تعزز فهم القارئ لسياق استخدامها.
ومن خلال هذا الطرح، يصل القارئ في نهاية المطاف إلى استنتاج واضح: أن اللغة الكنعانية ليست لغة منقرضة، بل هي لهجة عربية قديمة ما زال أثرها قائمًا حتى يومنا هذا، ويتجلى هذا الاستمرار في عدة صور، نذكر منها:
كلمات كنعانية لا تزال مستخدمة حتى اليوم
مثل: “رب”، “طيب”، “حمد”، “بن”، “أخ”، “لب”، “عبد” – وهي كلمات كانت شائعة عند الكنعانيين وما زالت تُستعمل بنفس المعاني في اللغة العربية المعاصرة.
وكلمات كنعانية تغيّر نطقها مع مرور الزمن، مثل الكلمة “حبب” التي كانت تُستخدم للدلالة على الحب والعشق، وتحولت في العربية الفصحى إلى “أحب”. ومثل “صفور” التي أصبحت “عصفور”.
وكلمات كنعانية مفهومة رغم عدم شيوعها حاليًا، مثل “بنادم” بمعنى “إنسان”، والتي يدرك معناها أي عربي على الفور باعتبارها تقابل “بني آدم”، رغم أنها لم تعد مستخدمة في اللغة اليومية.
وكلمات كنعانية موثقة في المعاجم العربية، مثل “مخّ”، التي كانت تعني “السمين” في الكنعانية، وتظهر في معجم لسان العرب في قولهم “أمخت الإبل” أي سمنت.
وكلمات كنعانية انتقلت إلى اللهجات العامية، مثل “لقيس” والتي تعني “زراعة متأخرة”، وهي مستعملة في لهجة شمال فلسطين بمعنى “تأخير”، وأيضًا “رام” بمعنى “مرتفع”، وهي كلمة شائعة في لهجات مناطق واسعة من بلاد الشام والجزيرة العربية.
وهذه أمثلة بسيطة فقط مما ورد في الكتاب، لكن القارئ سيجد عند تصفحه مئات، بل آلاف الأمثلة التي توضح امتداد اللغة الكنعانية في اللغة العربية المعاصرة. وهو ما يؤكد القيمة الكبيرة لهذا العمل الموسوعي، الذي استحق بكل جدارة تقديم الدكتور محمد بهجت قبيسي، مضيفًا إليه بعدًا من الثقة والمصداقية العلمية.








